|
«المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرَة.
اليوم نعيّد لعيد تجسد الرب الإله وولادته بالجسد من عذراء نذرت نفسها للرب وهتفت عندما بشرّها الملاك بأن الروح القدس حلّ عليها وأنها ستلد ابناً يُدعى ابنَ الله «ها أنذا أمةٌ للرب فليكن لي بحسب قولك».
وعندما ولدت ابنها في مغارة في بيت لحم اليهودية، أيام هيرودس الملك، جاء مجوسٌ من المشرق يسألون عن المولود ملك اليهود، الذي رأوا نجمه في المشرق وأتوا للسجود له. ولما سمع هيرودس بالخبر اضطرب وجميع أورشليم معه.
هيرودس الملك خاف من الطفل يسوع المولود في مغارة. أليس هذا أمراً عجيباً؟ الملوكُ والحكامُ والأباطرةُ وأقوياءُ هذا العالم لا يخافون، بل هم أحياناً كثيرة يُخيفون. الشعبُ يخافهم والضعفاءُ بشكل خاص، لأنه حيث القوة لا خوف. حيث تكون القوة يكون البطشُ وربما الظلم. فلمَ أخافَ طفلٌ ملكاً؟ الجواب بديهي بالنسبة للمسيحي المؤمن: الحقُ يخيف والصدقُ يخيف والعدلُ يخيف، وهذه صفاتُ المَلِكِ السماوي لا ملوك الأرض. ملوك الأرض يحكمون في الأرض، ورغم المظاهر البرّاقة، ورغم محبة الرعية التي يسوسونها وقد تكون هذه المحبة صادقةً أو وليدةَ الخوف والرعب، هم يعرفون صفاتِهم، وفي قرارة نفوسهم يميّزون بين الحَسَنِ فيها والسيء. ومهما تجبّر أحدُهم، ومهما أحاط نفسه بمظاهر العَظَمَةِ، ومهما ادّعى أمام الآخرين فهو يعرف نفسه جيداً، وبينه وبين نفسه لا يمكنه إلاّ أن يكون صادقاً.
هذه حال هيرودس الملك. كان بإمكانه أن يتجاهل هذا الطفلَ الفقيرَ المولودَ في مغارة، لكنه في عمق أعماقه عَلِم أنَ هذا الطفل يشكّل خطراً حقيقياً عليه لا لأنه يملك الممالك والأراضي أو الأسلحة والجيوش، بل لأنه رمزٌ للمحبة والتضحية والعطاء الكامل، رمزٌ للقيم التي سوف يعتمدها مَن سيؤمن بهذا الطفل الإلهي، وهي بعيدةٌ كلَّ البعد عن قلب هيرودس وأمثاله. لذلك قرّر قتله. قرّر محوه من الوجود. واعتمد لهذا الهدف الحيلة إذ قال للمجوس الآتين للسجود للطفل يسوع: «إذهبوا وافحصوا بالتدقيق عن الصبي ومتى وجدتموه فأخبروني لكي آتي أنا أيضاً وأسجد له» (متى 2: 5). ولمّا لم يرجع المجوسُ أمر الطاغيةُ بقتل «جميع الصبيان الذين في بيت لحم وفي كل تخومها من إبن سنتين فما دون بحسب الزمان الذي تحققه من المجوس» (متى 2: 16)، ظاناً أنه سيتخلّص من يسوع. «أما يسوع فكان ينمو ويتقوى بالروح ممتلئاً حكمةً وكانت نعمةُ الله عليه» (لو 2: 40).
بعد ألفيّتين من الزمن، بمَ يُذكَرُ هيرودس وماذا يمثّل؟
أما يسوع المسيح الطفل الذي شكّل الخطرَ الأكبرَ على هيرودس فما زال يشكل خطراً على كل مَن يعرفُ في قرارة نفسه أنه خاطئٌ أو كاذبٌ أو قاتلٌ أو ظالم، ويحاول التخلّص من يسوع كما حاول هيرودس في القديم، يحاول قتله في نفسه كي لا يزعجه أو يردعه عن فعل الشر، يحاول السخرية ممن يقتدي به كي لا يشكل دينونة له، لأنه كما يفضح النورُ الظلمةَ تفضح الفضيلةُ الشرَّ.
في أيامنا هذه، كثيراً ما نسمع انتقاداً للدين ورجال الدين ومَن يتبعون تعاليم الأديان وكأنهم من القرون الوسطى. وهناك مثلاً مَن أصبح يتباهى بالزواج المدني لأن الزواجَ الديني تخلّفٌ. نحن نؤمن بحرية الرأي ونحترم أصحاب هذه الآراء ولا نستجدي احترامهم لأنهم غالباً ما يكونون سلبيين رفضيين، لكنني أتساءل ما الضيرُ في أن يكونَ الإنسانُ مؤمناً بربه خالق السماء والأرض وما عليها؟ ما الضيرُ في أن يكون الإنسانُ محباً، متسامحاً، صادقاً، خيّراً، عطوفاً، كريماً، متواضعاً، وهذه كلّها من ثمار الروح القدس الذي نؤمن نحن المسيحيين أنه ساكنٌ فينا؟ وهل هي خطيئة أو عيب إن كان الإنسان يقصد الكنيسة للصلاة أو لاقتبال الأسرار المقدسة ومنها سر الزواج؟ إن البَرَكة التي يمنحها الرب للعروسين من خلال الكاهن أو الأسقف ليست تعويذة أو سحراً بل هي حضور للرب في قلبيهما وفي حياتهما، ورغم جميع مظاهر التمدن ومجاراة العصر عند الكثيرين ما زال بيننا مَن يؤمن إيماناً عميقاً بالله ويعتمد على رحمته ومحبته ويطلب بركته، ولولا هؤلاء المؤمنين وحضور الله في قلوبهم ربما كنا شهدنا نهاية العالم منذ زمن بعيد.
أما إذا كان مَن يرفضون الدينَ ومظاهرَه يعنون برفضهم هذا الطائفيةَ فنحن أولُ مَن يدينها ويتبرأ منها. الطائفيةُ في بلدنا آفةٌ كبيرة لا لأن الدينَ سيّءٌ بل لأن الطائفيين يتوسّلون الطائفة لمآربهم الشخصية وغاياتهم، ومعظمُهم إن لم نقل كلّهم لا يعرفون للدين معنى. أتباع الطائفية والذين مارسوها ويمارسونها والمدافعون عنها يدافعون عن مصالحهم لا عن الطائفة ولا عن الدين، أي الإيمان بالله الواحد وإتّباع تعاليمه. وقد يكونون لا يعرفون اللهَ بل يتلطّون خلف الطائفة للوصول إلى أهدافهم. هؤلاء يسيئون إلى الدين وإلى الطائفة وإلى الوطن وإلى نفوسهم أولاً لأن الإنسان لا يُقاس بانتمائه إلى طائفة بل بشخصيته الفذة وأخلاقه الرفيعة وعلمه الواسع وخبرته العميقة وإيمانه بأن فضائله هي التي تجعل منه إنساناً محبوباً ومحتَرَماً وهي التي توصله إلى المركز الذي يتمناه لا انتماؤه السطحي إلى مجموعة من الناس تسمّى في بلدنا طائفة. لذلك علينا جميعاً أن ننمّي في نفوس أبنائنا حبَّ التعلّم والمثابرة والعمل الدؤوب بعد أن نكون قد زرعنا في قلوبهم بذرةَ الإيمان التي بنموّها ستنمو فيهم الفضائل. كذلك من واجب الدولة أن تنشئ المواطنَ الصالح الذي يشعر بانتمائِه العميق إلى وطنه وواجِبه الحفاظ عليه، المواطنَ الذي يحترم الأنظمة والقوانين ولا يتخطاها أو يتحايل عليها، المواطنَ الذي يسعى إلى الوظيفة العامة بسبب كفاءاته لا انتماءاته. ومن واجب الدولة أن تشجع ذوي الكفاءة على التقدّم إلى الوظائف العامة باختيارها الأفضل دائماً لا باختيارها الأزلام والأتباع، لأن هؤلاء يسيئون إلى الدولة وهم سبب الفساد الذي يشكو منه الجميع.
كثيرون يتاجرون بالطائفية، وهناك مَنْ يدّعي العملَ على إلغائها. نحن لسنا بحاجة إلى إلغاء الطائفية بمعناها الإيجابي، أي الإنتماء إلى طائفة أو جماعة دينية، ما دامت الطوائف الثماني عشرة تشكّل نسيجَ وطننا الفريد. نحن بحاجة إلى إلغاء استغلال الطوائف وذلك بتنشئة المواطن الصالح المؤمن بربه كما قلنا، الذي يسعى إلى خدمة وطنه لا استخدام الوطن. وليكن تعدّدُ الطوائف في بلدنا مصدرَ غنًى ومجالاً للتبادل الحضاري والثقافي عوض أن يكون سبباً لتناتش المراكز واستغلال المواقع.
وما دام نظامُنا طائفياً، والمراكز والوظائف مقسمة على الطوائف، وبالعدل كما يجب أن تكون، أملنا أن تختار حكومتنا أفضل العناصر وأكثَرها كفاءة من كل طائفة لملء الشواغر في الوظائف المخصصة لكل طائفة، لأنه من واجب كل طائفة أن تخدم الوطن، من خلال أبنائها، أفضلَ خدمة. ومن حق كل طائفة أن تفتخر بأبنائها المتفوّقين والبارزين واللامعين من أصحاب الكفاءة والعلم والخبرة والضمير الحي والكف النظيف ـ ولا عيب في أن يكونوا مؤمنين بربهم، بل من الأفضل أن يكونوا من المؤمنين لأن المؤمن الحقيقي يتحلّى بصفات حميدة لا تحصى ـ وتقدّمهم لأصحاب الشأن والقرار لكي يستفيد الوطن بكامله من كفاءتهم.
وهؤلاء قد يكونون في المَلاك العام أو الخاص. فإن كانوا في الملاك العام فمن حقهم التدرّج في الوظيفة بحسب القانون والنظام المتبع، ومن غير العدل تجاهلهم أو تجاهل حقوقهم. وليُطبّق مبدأ الثواب والعقاب على الجميع، دون استثناء. فمَن كان صالحاً وأميناً وكفوءاً يُرقى ومَن كان غير صالح فلتُتخذ بحقه الإجراءات المناسبة، بحسب القانون. هكذا يكون العدل سيد الأحكام ونكون قد خطونا الخطوة الأولى في طريق الإصلاح الذي يتغنى الجميع بضرورة اعتماده.
الإصلاح ليس كلاماً ووعوداً بل هو رؤيا واضحة وعملٌ دؤوب وقوانين عادلة وتطبيقٌ حازم وثوابٌ وعقاب. بهذا يتعلّم المواطن احترام القوانين وتطبيقها، إنما يجب أولاً على المعنيين بفرض القانون أن يكونوا قدوةً للآخرين وأن لا يتهاونوا كي لا تعمّ الفوضى.
الأعمال دائماً أفضل من الأقوال، وطوبى لمن يُقرن الأقوالَ بالأفعال. لذا نسأل حكامنا البدء بتنفيذ ما وعدوا به أو ما يبشرون به، ونحن نصلّي من أجل أن يؤازرهم الرب الإله ويبارك كل عمل صالح يقومون به من أجل خدمة الوطن والمواطنين. كما نصلّي من أجل أن يكون اللبنانيون، كل اللبنانيين، أمناء لهذا الوطن الذي حباهم اللهُ إياه، وأن يعملوا جميعاً، يداً بيد، من أجل ازدهاره وتقدّمه وجعله في مصاف البلدان الراقية.
الجميع يتساءل لِمَ يبرع اللبنانيون خارج الحدود ويلمعون في أصقاع الأرض، وغالباً ما تأتي حلول المشاكل المستعصية على أيديهم، وما زالوا عاجزين عن حل مشاكلهم في وطنهم مثل مأساة السير المزمنة ومعضلة الكهرباء المقطوعة ومشكلة المياه المهدورة والصرف الصحي والأمطار والسيول وقطع الأشجار وحرق الغابات وما إليها. هل لأنهم عاجزون أم لأنه يجب وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، واختيار الأفضل دائماً، ونحن نشكر الله على الكفاءات التي ما زالت موجودة عندنا رغم هجرة معظم الأدمغة.
في هذه المناسبة أسأل طفل المغارة، الإله المتجسد الذي اتخذنا من أجل أن يخلّصنا، أن يخلّص مجتمعنا من كل آفاته، ويلهمنا في مهمتنا تنشئة الأجيال تنشئة صالحة تجعل منهم مواطنين صالحين، ينتمون إلى طوائف مختلفة لكنهم يعملون من أجل وطن واحد. أسأله أن يعيد عليكم جميعاً هذه المواسم المقدسة إلى سنين عديدة».
|